/ الْفَائِدَةُ : (46/ 313) /
22/04/2026
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . [اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَسَقُ نَظْمِهَا لَمَنْهَجٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ] [مَنْهَجِيَّةُ الِاسْتِكْنَاهِ المَعْنَوِيِّ وَنِظَامُ الرَّبْطِ فِي الخِطَابِ الوَحْيَانِيِّ] [هَنْدَسَةُ المَعَانِي وَبِنْيَةُ المُعَادَلَاتِ الكُلِّيَّةِ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ] إِنَّ مَنْهَجَ اسْتِكْنَاهِ المَعَانِي(1) وَتَنْضِيدِ نِظَامِهَا ، وَمَسْلَكَ الِاسْتِجْلَاءِ المَعْرِفِيِّ(2) الكَامِنِ خَلْفَ حُجُبِ الأَلْفَاظِ فِي مَحَاضِنِ المَعَارِفِ ؛ لَمَنْهَجٌ بَالِغُ الخُطُورَةِ ، رَفِيعُ الأَهَمِّيَّةِ ؛ إِذِ التَّعَابِيرُ الْوَارِدَةُ فِي مَضَامِينِ بَيَانَاتِ الْوَحْيِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قَوَالِبَ لُغَوِيَّةٍ صَمَّاءَ ، بَلْ هِيَ رَكِيزَةٌ مِحْوَرِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كُلِّيَّةٌ ، ذَاتُ أُطُرٍ مَرْسُومَةٍ ضِمْنَ سِيَاقَاتٍ بَيَانِيَّةٍ مُتَفَاوِتَةِ المَرَاتِبِ وَالظِّلَالِ. [التَّشْرِيحُ المَنْهَجِيُّ لِلنَّصِّ الزِّيَارَاتِيِّ : (الجامعة الكبيرة) نَمُوذَجاً] [مِنْ نَسَقِ اللَّفْظِ إِلَى جَوْهَرِ المَعْنَى: قِرَاءَةٌ اسْتِقْرَائِيَّةٌ فِي البِنْيَةِ المَنْظُومِيَّةِ لِلزِّيَارَةِ الجَامِعَةِ] مِثَالُ ذَلِكَ : (الزِّيَارَةُ الجَامِعَةُ الكَبِيرَةُ) ؛ إِذْ تَنْشَطِرُ بِاعْتِبَارَاتٍ مَنْهَجِيَّةٍ إِلَى أَرْبَعَةِ مَحَاوِرَ ، وَبِلِحَاظٍ آخَرَ إِلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَثَالِثٍ إِلَى عَشَرَةٍ ، وَرَابِعٍ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ ؛ وَهِيَ تَقْسِيمَاتٌ مَوْضُوعِيَّةٌ تَتَّسِمُ بِالدِّقَّةِ العِلْمِيَّةِ وَالعُمْقِ المَعْرِفِيِّ . فَإِذَا اسْتَقْرَأَ البَاحِثُ هَذِهِ الزِّيَارَةَ وَفْقَ هَذِهِ (الرُّؤْيَةِ المَنْظُومِيَّةِ) ـ مُتَجَاوِزاً ضَفَافَ اللَّفْظِ وَإِيقَاعَ النَّبْرَةِ إِلَى جَوْهَرِ المَعْنَى ـ نَالَتْهُ لَا مَحَالَةَ يَقَظَةٌ مَعْرِفِيَّةٌ ؛ إِذْ سَيَلْفِي أَنَّ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ تَرَاتُبٍ مِحْوَرِيٍّ وَتَسَلْسُلٍ اسْتِنْتَاجِيٍّ ، مَا هُوَ إِلَّا قَوَالِبُ مَعْنِيَّةٌ وَمُعَادَلَاتٌ كُلِّيَّةٌ ، تَتَّحِدُ فِي مَخْرَجِهَا وَمَقْصِدِهَا مَعَ مَضَامِينِ الوَحْيِ ، لَا سِيَّمَا النُّصُوصَ الزِّيَارَاتِيَّةَ الأُخْرَى . وَهَذِهِ الخَاصِّيَّةُ المَنْظُومِيَّةُ ـ بِمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ نَسَقٍ قَاعِدِيٍّ وَمُعَادَلَاتٍ رَصِينَةٍ ـ لَا تَنْحَصِرُ بِحِقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ دُونَ أُخْرَى مِنْ أَعْصَارِ مَعَادِنِ العِلْمِ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ سَارِيَةٌ وَمُهَيْمِنَةٌ عَلَى سَائِرِ أَزْمِنَةِ التَّشْرِيعِ الإِلَهِيِّ . إِنَّ هَذَا المَنْهَجَ يَعْكِسُ نَمَطاً مِنَ الِانْتِبَاهِ الدَّقِيقِ لِلنَّظْمِ المَعْنَوِيِّ فِي مَسَائِلِ أَبْوَابِ المَعَارِفِ ، وَهُوَ مَسْلَكُ "اسْتِكْنَاهِ المَعَانِي" وَتَتَبُّعِ نَظْمِهَا المَحْجُوبِ وَرَاءَ سُتُورِ الأَلْفَاظِ؛ فَأَلْفَاظُ الرِّوَايَةِ ـ وَإِنْ حَفَّتْهَا قَدَاسَةُ المَصْدَرِ ـ إِلَّا أَنَّ حَبْسَ النَّظَرِ عِنْدَ ظَوَاهِرِهَا السَّطْحِيَّةِ يُفْضِي بِالبَاحِثِ إِلَى مَضَايِقِ الجُمُودِ وَالقِشْرِيَّةِ ، بِخِلَافِ (الدِّرَايَةِ) الَّتِي تَعْنِي فَهْمَ الْمَضْمُونِ وَتَبَطُّنَ الْمَعَانِي . وَلِذَا ؛ اسْتَقَرَّتْ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ ـ لَدَى عُمُومِ مَدَارِسِ الإِسْلَامِ ـ ضَابِطَةٌ قَطْعِيَّةٌ لِاعْتِبَارِ الرِّوَايَةِ ، لَا تَقِفُ عِنْدَ التَّعَبُّدِ بِوَثَاقَةِ النَّاقِلِ ، وَلَا الْعُدُولِ ، أَوْ صَرَاحَةِ اللَّفْظِ ، بَلْ عِمَادُهَا : (العَرْضُ عَلَى مُحْكَمَاتِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) ؛ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَرْضَ عَلَى الظَّوَاهِرِ اللَّفْظِيَّةِ فَحَسْبُ ، بَلْ عَلَى مَجْمُوعِ النِّظَامِ الْمَعْنَوِيِّ لَهُمَا . فَإِذَا تَمَكَّنَ الْبَاحِثُ أَوِ الْمُسْتَنْبِطُ مِنْ اسْتِجْلَاءِ هَذِهِ المَنْظُومَةِ ، غَدَا قَادِراً عَلَى مَوْزَنَةِ الأَخْبَارِ بِمِعْيَارِهَا ، فَإِذَا وَجَدَهَا مُتَّسِقَةً مَعَ ذَلِكَ النَّسَقِ أَخَذَ بِهَا وَإِنْ قَصُرَ بِهَا السَّنَدُ . بَيْدَ أَنَّ الِانْعِطَافَ نَحْوَ هَذِهِ الصِّلَةِ المَعْنَوِيَّةِ يَسْتَدْعِي دِرَايَةً مُسْتَفِيضَةً ، وَغَوْراً بَعِيداً ، وَمَلَكَةً صِنَاعِيَّةً دَقِيقَةً تُرْتَاضُ بِالمِرَاسِ الشَّاقِّ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : إِنَّ حُجِّيَّةَ مُتُونِ الأَدِلَّةِ وَمَضَامِينِهَا فِي مَدَارِكِ المَعَارِفِ ـ لَا سِيَّمَا فِي الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ ـ لَا تَنْهَضُ عَلَى مَحْضِ التَّعَبُّدِ السَّنَدِيِّ أَوِ الرُّكُونِ إِلَى الرَّوَافِدِ الظَّنِّيَّةِ ، وَإِنَّمَا قِوَامُهَا الِاسْتِنَادُ إِلَى الْبُعْدِ الْعَقْلِيِّ ؛ فَبَعْدَ أَنْ يَتَمَهَّرَ الْبَاحِثُ وَالْمُسْتَنْبِطُ وَيَرْتاضَ فِي الْمَدَارِسِ الْبَشَرِيَّةِ ، يَنْطَلِقُ لِيَسْبَحَ فِي غِمَارِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ ، وَيَغُوصَ فِي لُجَجِ مَعَارِفِهِ العَقْلِيَّةِ وَالْمَعْرِفِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْضَبُ لَهَا مَعِينٌ . وَهَذَا مَا دَعَتْ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ الشَّرِيفِ ، وَأَحْكَمَتْ رَسْمَ مَعَالِمِهِ بِشَوَاهِدِهَا الوَافِرَةِ البَاهِرَةِ ، مِنْهَا : ١- بَيَانُ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } (3)(4). فَـ(التِّلَاوَةُ) ـ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : {يَتْلُو عَلَيْهِمْ} ـ تُمَثِّلُ مَرْحَلَةَ (الْعِلْمِ النَّقْلِيِّ الْحِسِّيِّ) ، وَهِيَ مَحْضُ مُقَدِّمَةٍ لِمَا بَعْدَهَا . بَيْنَمَا تُمَثِّلُ ضَرُورَةُ (التَّعَلُّمِ) ـ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي بَيَانِ قَوْلِهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) : {وَيُعَلِّمُهُمُ}(5) ـ مَرْحَلَةَ (الْفَهْمِ الْعَقْلِيِّ) لِمَوَارِدِ الْوَحْيِ ؛ بُغْيَةَ تَحْصِيلِ الْيَقِينِ وَالْبُرْهَانِ الْوَحْيَانِيِّ ، وَهُوَ (ذِيُّ الْمُقَدِّمَةِ) وَالْغَايَةُ الْأَسْمَى الَّتِي تُمَثِّلُ جَوْهَرَ الْإِعْجَازِ . فَانْظُرْ : بَيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قَوْلُهُ) : { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} (6)(7). إِذْ يَدُلُّ بَيَانُ هَذِهِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ بِجَلَاءٍ عَلَى أَنَّ الْمُعَاجِزَ ـ وَفِي طَلِيعَتِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ـ بَلْ وَالْكَرَامَاتِ الْإِلَهِيَّةَ ، لَا تَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْإِدْهَاشِ الصُّورِيِّ ، بَلْ تُورِثُ لِمَنْ تَدَبَّرَهَا : (الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ وَالْبُرْهَانَ الْوَحْيَانِيَّ). وَبِالْجُمْلَةِ : فَإِنَّ أَحَدَ مَرَاسِمِ (الْمُعْجِزَةِ) أَنَّهَا انْبِثَاقٌ لِسَنَا أَنْوَارٍ غَيْبِيَّةٍ بَاهِرَةٍ ، تَتَجَلَّى إِمَّا فِي مَظْهَرِ قُدْرَةٍ قَاهِرَةٍ ، أَوْ فِي آيَةِ كَمَالٍ قُدُّوسِيٍّ ؛ فَتَنْتَشِلُ بَصِيرَةَ مَنْ يُعَايِنُهَا لِيَشْهَدَ مِنْ خِلَالِهَا عَظَمَةَ الْغَيْبِ ، فَتَعْرُوهُ حَالَةٌ مِنَ الْإِخْبَاتِ الدَّفْعِيِّ الْقَهْرِيِّ ، تَتَضَعْضَعُ لَهَا أَرْكَانُ ذَاتِهِ وَتَسْتَكِينُ وَقُوَاهُ ؛ فَيَخِرُّ لِبَاعِثِهَا سَاجِدًا وَمُتَذَلِّلًا ، كَمَا جَرَى لِسَحَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . فَلَاحِظْ : بَيَانَ قَوْلِهِ تَعَالَىٰ : { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } (8). وَهَذِهِ هِيَ عَيْنُ مَفْعُولِ (الْبُرْهَانِ) ؛ إِذْ يَنْقُلُ الطَّرَفَ مِنْ حَيِّزِ (النَّظَرِ الْفِكْرِيِّ) إِلَى فِسْحَةِ (التَّجَلِّيَاتِ الْفِطْرِيَّةِ) ، فَإِذَا عَايَنَ الْعَقْلُ تِلْكَ الْعَظَمَةَ خَبَتْ نَفْسُهُ إِجْلَالًا ، وَانْصَهَرَتْ أَمَامَ سُلْطَانِ الحَقِيقَةِ . إِذَنْ : الْمُعْجِزَةُ الْإِلَهِيَّةُ خِطَابٌ رَبَّانِيٌّ مُبَاشِرٌ ، وَمُوَاجَهَةٌ قُدُسِيَّةٌ مِنْ لَدُنِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) لِخَلْقِهِ ، تَتَجَاوَزُ الوَسَائِطَ لِتُحَاكِيَ جَوْهَرَ الفِطْرَةِ . 2ـ بَيَانُ قَوْلِهِ جَلَّ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (9)(10). بِتَقْرِيبِ : أَنَّنَا نَجِدُ فِي هَٰذَا الْبَيَانِ الْوَحْيَانِيِّ الشَّرِيفِ تَرْتِيباً مَنْهَجِيّاً لِمَرَاحِلِ التَّلَقِّي وَالاسْتِنْبَاطِ ؛ وَفْقَ الآتِي : أَوَّلاً : (النَّفْرُ) ؛ وَهُوَ إِشَارَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ إِلَى "مَرْحَلَةِ الرِّوَايَةِ" وَالسَّمَاعِ ، وَتُمَثِّلُ الجَانِبَ "النَّقْلِيَّ الحِسِّيَّ" ؛ فَمَقَامُهُ مَقَامُ (المُقَدِّمَةِ الإِعْدَادِيَّةِ) الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا لِتَحْصِيلِ المَادَّةِ العِلْمِيَّةِ الخَامِ وَمَوْضُوعَاتِ العِلْمِ . ثَانِيَّاً : (التَّفَقُّهُ) ؛ الـمُشَارُ إِلَيْهِ فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَى : {لِيَتَفَقَّهُوا} ؛ وَهُوَ يَعْنِي "الفَهْمَ الدَّقِيقَ" (11)وَالغَوْرَ المَعْرِفِيَّ إِلَى لُبَابِ المَعَانِي . وَيُرْمِزُ هُنَا إِلَى مَرْحَلَةِ "الفَهْمِ العَقْلِيِّ" لِمَضَامِينِ وَمُتُونِ بَيَانَاتِ الوَحْيِ ؛ فَهِيَ مَرْحَلَةُ (ذِي المُقَدِّمَةِ) ، وَهِيَ "الغَايَةُ الأَسْمَى" الَّتِي اقْتَضَتْهَا (لَامُ العَاقِبَةِ وَالغَرَضِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : {لِيَتَفَقَّهُوا} ؛ حَيْثُ يَرْتَقِي "الفَقِيهُ" مِنْ مَحْدُودِيَّةِ الظَّاهِرِ المَسْمُوعِ إِلَى فُسْحَةِ البَاطِنِ المَفْهُومِ وَمَنْظُومَةِ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ(12) . ٣- بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ جَلَالُهُ) : { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (13). وَتَقْرِيبُ الدَّلَالَةِ وَاضِحٌ ؛ فَإِنَّهُ رَغْمَ عَدَمِ تَمَامِيَّةِ "السَّنَدِ" وَمَجْهُولِيَّةِ النِّسْبَةِ ـ بِنَاءً عَلَى فَرْضِيَّةِ الآيَةِ بِأَنَّ الـمُخْبِرَ "فَاسِقٌ" ـ وَمَعَ نَفْيِ مَشْرُوعِيَّةِ "الطَّرْحِ الـمُطْلَقِ" لِلخَبَرِ أَوِ "الأَخْذِ التَّعَبُّدِيِّ" بَعَمَايَةٍ ، انْبَرَزَ مَسْلَكٌ ثَالِثٌ أَوْجَبَهُ النَّصُّ القُرْآنِيُّ ، وَهُوَ : (فَحْصُ الـمَتْنِ ، وَاسْتِجْلَاءُ المَضْمُونِ ، وَالتَّثَبُّتُ مِنْ مِصْدَاقِيَّتِهِ المَعْرِفِيَّةِ). وَهَذِهِ التَّوْصِيَةُ الوَحْيَانِيَّةُ كَاشِفَةٌ عَنْ أَنَّ العُمْدَةَ وَالرُّكْنَ الرَّكِينَ فِي "حُجِّيَّةِ الخَبَرِ" وَمَلَاكِ العَمَلِ بِهِ هُوَ : (تَبَيُّنُ الْمَتْنِ وَتَشْرِيحُ الْمَضْمُونِ بِمَعَايِيرِ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ ، وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ ، وَبَدِيهِيَّاتِ الْعَقْلِ ، وَالْوِجْدَانِ) . نَعَمْ ، يَبْقَى السَّنَدُ الـمُعْتَبَرُ "مُعَاضِداً وَقَرِينَةً" لِحُجِّيَّةِ الخَبَرِ ، لَكِنَّ القُطْبَ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى القَبُولِ وَالرَّدِّ هُوَ : (حُجِّيَّةُ الـمَتْنِ وَرَصَانَةُ المَضْمُونِ) . ٤- بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ وَعَلَا) : { فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ } (14). وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ ؛ فَإِنَّ مَفَادَهُ الْأُصُولِيَّ يَتَّحِدُ مَعَ جَوْهَرِ بَيَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « خُذِ الحِكْمَةَ مِمَّنْ أَتَاكَ بِهَا ، وَانْظُرْ إِلَى مَا قَالَ ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ قَالَ »(15). حَيْثُ يَتَجَلَّى أَنَّ "الـمِعْيَارَ المَوْضُوعِيَّ" لِلِاعْتِبَارِ وَالِاتِّبَاعِ إِنَّمَا يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ (رَصَانَةِ المَتْنِ وَعُمْقِ المَضْمُونِ) ، بِمَعْزِلٍ عَنْ حَيْثِيَّةِ المَصْدَرِ أَوْ هُوِيَّةِ القَائِلِ ؛ فَالبِشَارَةُ الإِلَهِيَّةُ ، وَوِسَامُ "أُولِي الأَلْبَابِ" ، لَمْ يُسْتَحَقَّا إِلَّا لِمَنْ جَعَلَ "نَقْدَ الـمُحْتَوَى" هُوَ العُمْدَةَ وَالأَسَاسَ فِي مَقَامِ التَّحْقِيقِ وَالحُجِّيَّةِ . ٥- بَيَانُ قَوْلِهِ (عَلَا ذِكْرُهُ) : { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } (16). فَإِنَّهُ بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ دَالٌّ أَيْضاً عَلَى أَنَّ الـمَقْصِدَ الأَسْنَى ، وَقُطْبَ رَحَى مَرْجَعِيَّةِ الفَقِيهِ ، وَالبَاحِثِ ، وَالـمُسْتَنْبِطِ ، وَمُرِيدِ الحَقِيقَةِ ؛ يَنْبَغِي أَنْ يَنْصَبَّ نَظَرُهُ ابْتِدَاءً وَأَصَالَةً عَلَى (الـمَتْنِ وَالـمَضْمُونِ) ؛ فإِنَّ "الـمُحْكَمَاتِ" لَمْ تَنَلْ رُتْبَةَ الإِحْكَامِ وَحَظْوَةَ الصَّدَارَةِ لِمَحْضِ حَيْثِيَّةِ صُدُورِهَا فَحَسْبُ ، وَإِنَّمَا بِمَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنْ ذَاتِيَّةِ المَتْنِ وَنُورَانِيَّةِ المَضْمُونِ الَّتِي جَعَلَتْ مِنْهَا مَرْجِعاً حَاكِماً . وَيُعَدُّ هَذَا البَيَانُ الوَحْيَانِيُّ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ القُرْآنِيَّةِ الـمُؤَسِّسَةِ لِهَذَا "الـمَسْلَكِ الـمَعْرِفِيِّ الجَسِيمِ" ، وَأَسْطَعِ الحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى ضَرُورَةِ الِاعْتِدَادِ بِجَوْهَرِ النَّصِّ وَحَقِيقَتِهِ العَقْلِيَّةِ الصِّرْفَةِ ، لِيَكُونَ المَضْمُونُ هُوَ المِعْيَارَ الأَوْحَدَ فِي تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الزَّيْغِ . ٦- بَيَانُ خُطْبَةِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : « نَضَّرَ اللهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، وَبَلَّغَهَا مَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ؛ فَكَمْ مِنْ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ ، وَكَمْ مِنْ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ »(17). ٧- بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ ، وَهِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الدِّرَايَةُ »(18). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَابِقِهِ ـ وَاضِحَةٌ ؛ فإِنَّ الـمُرَادَ بِعُنْوَانِ "السُّفَهَاءِ" الـمَوْسُومِ فِي هَذَا الأَثَرِ الإِلَهِيِّ الشَّرِيفِ : هُمُ الَّذِينَ يَتَعَاطَوْنَ مَعَ بَيَانَاتِ الوَحْيِ بِسَطْحِيَّةٍ إِدْرَاكِيَّةٍ ، وَيَفْتَقِرُونَ إِلَى الرُّشْدِ المَنْهَجِيِّ وَالغَوْرِ فِي اسْتِنْبَاطِ المَقَاصِدِ ؛ فَيَقْتَصِرُ هَمُّهُمْ عَلَى حَيْثِيَّةِ "صُدُورِ الرِّوَايَةِ" وَقَوَالِبِهَا اللَّفْظِيَّةِ الصَّرْفَةِ ، ذَاهِلِينَ عَنْ كُنْهِ حَقَائِقِهَا وَمَلَاكَاتِهَا الـمَعْرِفِيَّةِ . 8 ـ بَيَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : «عَلَيْكُمْ بِالدِّرَايَاتِ لَا بِالرِّوَايَاتِ»(19). 9ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لَا عَقْلَ رِوَايَةٍ ؛ فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ »(20). 10ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « ... وَتَرْكُكَ حَدِيثاً لَمْ تَرْوِهِ خَيْرٌ مِنْ رِوَايَتِكَ حَدِيثاً لَمْ تُحْصِهِ ، إِنَّ عَلَى كُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً ، وَعَلَى كُلِّ صَوَابٍ نُوراً ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوا بِهِ ، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَدَعُوهُ » (21). 11ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الْبَاقِرِ مُخَاطِباً وَلَدَهُ الْإِمَامَ الصَّادِقَ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا) : « يَا بُنَيَّ ، اعْرِفْ مَنَازِلَ الشِّيعَةِ عَلَى قَدْرِ رِوَايَتِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ ؛ فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الدِّرَايَةُ لِلرِّوَايَةِ ، وَبِالدِّرَايَاتِ لِلرِّوَايَاتِ يَعْلُو الْمُؤْمِنُ إِلَى أَقْصَى دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ ، إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابٍ لِعَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَوَجَدْتُ فِي الْكِتَابِ : أَنَّ قِيمَةَ كُلِّ امْرِئٍ وَقَدْرَهُ مَعْرِفَتُهُ ، إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي دَارِ الدُّنْيَا»(22). 12ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) : « رُوَاةُ الْكِتَابِ كَثِيرٌ ، وَرُعَاتُهُ قَلِيلٌ ، فَكَمْ مِنْ مُسْتَنْصِحٍ لِلْحَدِيثِ مُسْتَغِشٍّ لِلْكِتَابِ ، وَالْعُلَمَاءُ تَحْزُنُهُمُ الدِّرَايَةُ ، وَالْجُهَّالُ تَحْزُنُهُمُ الرِّوَايَةُ »(23). 13ـ بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « حَدِيثٌ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ تَرْوِيهِ ، وَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ فَقِيهاً حَتَّىٰ يَعْرِفَ مَعَارِيضَ كَلَامِنَا ... » (24). وَدَلَالَتُهُ ـ كَدَلَالَةِ سَوَابِقِهِ ـ وَاضِحَةٌ عَلَىٰ ضَرُورَةِ الدِّرَايَةِ بِمَتْنِ وَمَضْمُونِ الرِّوَايَةِ ، وَتَنْفِي حُجِّيَّةَ مَنْهَجِ الِاقْتِصَارِ عَلَىٰ مُجَرَّدِ الرِّوَايَةِ وَصُورَةِ النَّقْلِ الْمَحْضِ ؛ فَإِنَّ الْمَلَكَةَ الْفِقْهِيَّةَ ـ بِحَسَبِ هَٰذِهِ الْبَيَانَاتِ الشَّرِيفَةِ ـ مَنُوطَةٌ بِالْقُدْرَةِ عَلَىٰ اسْتِجْلَاءِ الْمَقَاصِدِ الْكَامِنَةِ فِي "مَعَارِيضِ كَلَامِهِمْ" (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ، وَلَيْسَتْ بِتَكْثِيرِ الرِّوَايَةِ ذَاهِلَةً عَنْ عُمْقِ الدِّرَايَةِ . 14ـ بَيَانُ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً : « إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى كِتَابِ اللهِ ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَخُذُوهُ ، وَمَا خَالَفَ كِتَابَ اللهِ فَذَرُوهُ ... »(25) . وَدَلَالَتُهُ وَاضِحَةٌ أَيْضاً ؛ فَإِنَّهُ تَعَرَّضَ لِأَعْظَمِ ضَابِطَةٍ مَضْمُونِيَّةٍ قَرَّرَتْهَا بَيَانَاتِ الوَحْيِ الإِلٰهِيِّ الشَّرِيفِ . وَتُعَدُّ هَذِهِ الضَّابِطَةُ تَرْجُمَاناً مَنْهَجِيّاً لِمُقْتَضَى حَدِيثِ الثَّقَلَيْنِ ؛ لِكَوْنِهَا تَقُومُ عَلَى قِرَاءَةٍ عَقْلِيَّةٍ بُرْهَانِيَّةٍ لِمَضَامِينِ الرِّوَايَاتِ المُتَعَارِضَةِ ، وَعَرْضِهَا عَلَى مُحْكَمَاتِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؛ اسْتِنَاداً إِلَى بَدِيهِيَّاتِ الوَحْيِ . وَمُؤَدَّى ذَلِكَ : أَنَّ المِعْيَارَ الحَاكِمَ ، وَالقُطْبَ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى الحُجِّيَّةِ ، إِنَّمَا هُوَ "المتن والمَضْمُونُ" قَبْلَ الِارْتِهَانِ لِـ"السَّنَدِ" ؛ فَتَدَبَّرْ هَذَا المَبْنَى بِعَيْنِ التَّحْقِيقِ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أَيْ : اسْتِكْشَافُ الْمَعَانِي وَنَظْمُهَا . (2) أَيْ : الصِّلَةُ الْمَعْنويَّةُ . (3) الجمعة : 2. (4) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ : أَنَّ مَنْ يَرُومُ اسْتِيضَاحَ بَيَانَاتِ أَهْلِ الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الْمُفَسِّرَةِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ ؛ فَلَا يَخْدَعَنَّهُ الِاقْتِصَارُ فِي الْفَحْصِ عَلَى مُرَاجَعَةِ تَفْسِيرٍ أَوْ اثْنَيْنِ ، بَلْ عَلَيْهِ التَّيَقُّظُ لِمَوَارِدِ وُرُودِ الْآيَةِ بِمَنْظُومَةِ أَلْفَاظِهَا أَوْ مُقَارِبَاتِهَا الدَّلَالِيَّةِ فِي عُمُومِ مَوَارِدِ الْوَحْيِ ، وَعَدَمُ الِارْتِهَانِ لِمَصْدَرٍ آحَادٍ دُونَ غَيْرِهِ . وَبِالْجُمْلَةِ : إِنَّ مَدَارَ الْفَحْصِ وَالتَّنْقِيبِ الْعِلْمِيِّ مَدَارٌ شَاسِعٌ ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِلْبَاحِثِ أَنْ يَغْتَرَّ بِدَرَجَةٍ مَا مِنَ التَّتَبُّعِ أَوِ التَّأَمُّلِ ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مَا بَلَغَهُ هُوَ الذُّرْوَةُ وَسَنَامُ الْمَعْرِفَةِ فَقَدِ ارْتَطَمَ بِغَفْلَةٍ شَنِيعَةٍ ؛ إِذِ الْمُتَحَصَّلُ لَدَيْهِ ـ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْوَحْيَانِيَّةِ ـ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مُتَنَاهِيًا ، بَيْنَمَا حَقَائِقُ الْوَحْيِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ مَطْلَقًا ، وَلَا وُجُودَ لِنِسْبَةٍ رِيَاضِيَّةٍ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَاللَّامَحْدُودِ ؛ إِذْ لَوْ قِيسَ الْمُتَنَاهِي إِلَى غَيْرِ الْمُتَنَاهِي لَكَانَ عَدَمًا مَحْضًا (صِفْرًا عَلَى جِهَةِ الشِّمَالِ) ، وَإِلَّا لَانْقَلَبَتْ مَاهِيَّةُ غَيْرِ الْمُتَنَاهِي إِلَى التَّنَاهِي ، وَبُطْلَانُ انْقِلَابِ الْمَاهِيَّةِ مِنَ الْبَدِيهِيَّاتِ ، بَلْ هُوَ خُلْفُ الْفَرْضِ . (5) إِنَّ الْمَنْهَجِيَّةَ التَّعْلِيمِيَّةَ السَّارِيَةَ فِي بَيَانَاتِ الْوَحْيِ لِإِيصَالِ الْمَعَارِفِ إِلَى الْمُخَاطَبِ ؛ إِنَّمَا تَقُومُ عَلَى مَبْدَأِ (التَّدَرُّجِ فِي التَّعْلِيمِ) ، وَاعْتِمَادِ الْمَرَاحِلِ التَّرَاتُبِيَّةِ . (6) القصص : 31 ـ 32. (7) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ : أَنَّهُ مَا مِنْ لَفْتَةٍ أَوْ مَشْهَدٍ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ؛ إِلَّا وَهِيَ تَصُبُّ فِي مَعِينِ ذِكْرِ اللهِ (تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ) ، وَتَبْعَثُ عَلَى خَشْيَتِهِ وَالْخُضُوعِ لِجَلَالِهِ . (8) الشعراء : 41 ـ 51. (9) التوبة : 122. (10) يَجِبُ الِاسْتِبْصَارُ : أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ هُوَ "النَّامُوسُ الإِلَهِيُّ الخَالِدُ" ، غَيْرَ أَنَّ دُسْتُورِيَّتَهُ وَمَدَيَاتِ خُلُودِهِ وَمُؤَدَّاهُ المَعْرِفِيَّ لَا تَنْحَصِرُ فِي حُدُودِ النَّشْأَةِ الأَرْضِيَّةِ ، وَلَا تَقْتَصِرُ خِطَابَاتُهُ عَلَى الثَّقَلَيْنِ (الجِنِّ وَالإِنْسِ) فَحَسْبُ ؛ بَلْ هِيَ هَيْمَنَةٌ وُجُودِيَّةٌ تَسْتَوْعِبُ عَوَالِمَ المَلَكُوتِ وَكَافَّةَ الخَلَائِقِ ؛ لِكَوْنِهِ جَوْهَرَ الدِّينِ الشَّامِلِ . وَمِنْ ثَمَّ ، فَإِنَّ النِّدَاءَاتِ القُرْآنِيَّةَ المُرْتَدِيَةَ لِبَاسَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} تَنْتَظِمُ فِي سِلْكِهَا جَمِيعَ مَرَاتِبِ المُؤْمِنِينَ ، وَفِي طَلِيعَتِهِمُ المَلَائِكَةُ الـمُقَرَّبُونَ ؛ لِذَا نَصَّتْ بَيَانَاتُ الوَحْيِ عَلَى أَنَّ أَمْلَاكَ الحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ ـ كَجَبْرَئِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ (عَلَيْهِمُ السَّلَامُ) ـ حِينَمَا يَتَنَزَّلُ الوَحْيُ عَلَى سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ، فَإِنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ مَعَالِمَ ذَلِكَ القُرْآنِ وَيَسْتَفِيضُونَ مِنْ عُلُومِهِ . (11) يَنْبَغِي الِالْتِفَاتُ : أَنَّ (الفَهْمَ) حَقِيقَةٌ غَيْبِيَّةٌ ، صَادِرَةٌ عَنْ عَوَالِمَ عُلْوِيَّةٍ تتحكَّم فيها طبقات حقائق أَهْل الْبَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ) الصَّاعدة ؛ تِلْكَ المَرَاتِبُ الَّتِي تَتَعَالَى عَلَى عَالَمِ الآخِرَةِ الأَبَدِيِّ ، وَتَفُوقُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ بِدَرَجَاتٍ مَلَكُوتِيَّةٍ ، بَيْنَمَا تَبْقَى تِلْكَ السَّمَاوَاتُ وَمَا فِيهَا ضِمْنَ نِطَاقِ عَوَالِمِ الأَجْسَامِ . (12) يَجْدُرُ الِالْتِفَاتُ إِلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ التَّالِيَةِ : الْأَوَّلُ : إِنَّ الْمَعْرِفَةَ الْإِلَهِيَّةَ نَامُوسٌ مُقَدَّسٌ ، وَالسَّعْيَ نَحْوَهَا نَزْعَةٌ فِطْرِيَّةٌ تَقُضُّ مَضَاجِعَ الخَلَائِقِ شَوْقاً لِلْكَمَالِ . الثَّانِي : إِنَّ كُبْرَيَاتِ النِّعَمِ الـمُشَارِ إِلَيْهَا فِي بيان قَوْلِهِ تَعَالَى : {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}[النحل : 18] هِيَ "النِّعَمُ المَعْرِفِيَّةُ" وَالفُيُوضَاتُ المَعْنَوِيَّةُ ، لَا المَلَاذُّ البَدَنِيَّةُ الزَّائِلَةُ. الثَّالِثُ : إِنَّ أَخْطَرَ الحُصُونِ الَّتِي يَسْتَهْدِفُهَا العَدُوُّ هِيَ "قَلْعَةُ الفِكْرِ وَالرُّؤْيَةِ العَقَائِدِيَّةِ" ؛ فَإِذَا زُحْزِحَ المَخْلُوقُ عَنِ "الوَرَعِ العَقَدِيِّ" تَدَنَّسَ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ ، وَإِنَّ أَسْمَى مَرَاتِبِ الطَّهَارَةِ هِيَ "طَهَارَةُ التَّعَقُّلِ". الرَّابِعُ : إِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَنْقَطِعُ بِانْتِهَاءِ هَذِهِ النَّشْأَةِ ، بَلْ يَتَجَذَّرُ وَيَشْتَدُّ فِي العَوَالِمِ اللَّاحِقَةِ ، شَامِلاً بِذَلِكَ كُلَّ مَوْجُودٍ حَسْبَ رُتْبَتِهِ الوُجُودِيَّةِ . (13) الْحُجُرَاتُ : 6. (14) الزُّمَرُ : 17 ـ 18. (15) غُرَرُ الْحِكَمِ ، 1 : 394 . مِيزَانُ الْحِكْمَةِ ، 6 : 485 . كَنْزُ الْعُمَّالِ / 42218 . (16) آلُ عِمْرَانَ : 7. (17) بِحَارُ الْأَنْوَارِ ، 2 : 148 / ح 22. (18) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 160 / ح 13. (19) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 160 / ح 12. (20) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 161 / ح 21. (21) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 165 / ح 25. (22) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 184 / ح 4. (23) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 161 / ح 14. (24) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 184 / ح 5. (25) الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ : 235 / ح 20